ما بين ثناء المتحمسين واحتجاج المعارضين، يستعد العالم لمتابعة أول مزاد مخصص بالكامل لأعمال الذكاء الاصطناعي.
يشهد عالم الفن حاليًا موجة جديدة من الإبداع والتجارب، حيث أصبح «الفن بالذكاء الاصطناعي» محورًا رئيسيًا للنقاش. فقد أعلنت دار المزادات الشهيرة كريستيز عن حدث غير مسبوق يحمل عنوان «المزاد المعزز بالذكاء الاصطناعي»، يُركز بشكل كامل على أعمال فنية مصنوعة أو مستوحاة من تقنيات التعلم الآلي. بينما اعتبر البعض هذا المزاد نقلة نوعية في تاريخ المزادات الفنية، رأى آخرون أنه يمثل تحديًا لقيم الإبداع واحترام حقوق الفنانين.
كريستيز وتجارب سابقة في الفن بالذكاء الاصطناعي
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها كريستيز تجربة عرض أعمال فنية من إنتاج الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2018، باعت لوحة باهتة الملامح لرجل بأكثر من 400000 دولار، وقد صُنِّعت باستخدام خوارزميات تم تدريبها على آلاف اللوحات التاريخية. وبعد ذلك بفترة، وفي عام 2021، بِيعَت لوحة نفذها روبوت فنانة تدعى «آي-دا» بمبلغ تجاوز مليون دولار في مزاد لدى سوذبيز. لكن المزاد القادم الذي يحمل عنوان «المزاد المعزز بالذكاء الاصطناعي» يُعد الأول من نوعه، لأنه يركز حصريًا على أعمال تم إنشاؤها بواسطة تقنيات التعلم الآلي، بمشاركة أسماء بارزة مثل ساشا ستايلز وهولي هيرندون ومات درايرهيرست وريفك أنادول وألكسندر ريبين.
اقرأ أيضًا: بوتو: سيبورغ يدمج الذكاء الاصطناعي بالفن
احتجاج الفنانين والمخاوف القانونية
رغم الزخم الإعلامي الذي يحظى به المزاد، فهو يواجه انتقادات شديدة من عدد كبير من الفنانين. تقول الفنانة كارلا أورتيز: «كريستيز لا تهتم بالفنانين، بل تسعى فقط إلى كسب المال». وكانت أورتيز واحدة من أوائل الموقعين على خطاب مفتوح يطالب كريستيز بإلغاء المزاد، متهمين بعض الأعمال المعروضة بأنها صُنعت باستخدام نماذج ذكاء اصطناعي تجارية قامت باستغلال أعمال فنية محمية بحقوق النشر من دون إذن أو تعويض. وقد جمع هذا الخطاب آلاف التوقيعات من فنانين وأكاديميين حول العالم منذ إطلاقه في 8 فبراير.
يأتي هذا الاحتجاج في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن استخدام الشركات التقنية للأعمال الفنية المحمية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية، ما دفع البعض لرفع دعاوى قضائية في الولايات المتحدة بغية حماية حقوق الملكية الفكرية. ويُخشى أن يشكل هذا الاتجاه تهديدًا حقيقيًا لمصدر رزق العديد من الفنانين، في ظل المنافسة التي قد تنشأ بين الفن البشري والأعمال المُبدَعة آليًا.
وجهة نظر كريستيز
تؤكد كريستيز أن ما يقوم به الذكاء الاصطناعي ليس «سرقة» بل هو «تأثير». ترى نيكول سيلز جايلز، مديرة قسم الفن الرقمي لدى كريستيز، أن عملية تدريب الخوارزميات على كمٍ هائل من البيانات والصور تؤدي إلى إنتاج عمل جديد يستلهم الماضي. وتشير إلى أن قضايا حقوق الطبع والنشر المتعلقة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تُعالج قانونيًا عبر الجهات المختصة، وليس عبر المزاد نفسه. وترى جايلز أن اهتمام عدد متزايد من المستثمرين والخبراء بهذا النوع من الفن يعكس رغبة حقيقية في دعم التقنيات الحديثة واستكشاف حدود الابتكار.
نمو سوق «الفن بالذكاء الاصطناعي»
وفقًا لتقديرات شركات الأبحاث، يتوقع أن تبلغ قيمة سوق «الفن بالذكاء الاصطناعي» ما يقارب مليار دولار في عام 2028، أي ضعف ما كانت عليه في عام 2023 تقريبًا. هذا التوسع الملحوظ لا يقتصر على جامعي القطع الفنية التقليديين فحسب، بل يمتد ليشمل مستثمرين في مجالات البلوك تشين والعملة الرقمية ورأس المال المغامر. ويرى هؤلاء في الفن المدعوم بالتعلم الآلي فرصة للربح واستشراف مستقبل الإبداع.
ولادة فن جديد من رحم الجدل
رغم أن الاحتجاجات تحظى باهتمام واسع، فإنها أسفرت عن حراك فني موازٍ. فقد قام الفنان بيبل – الذي اشتهر ببيع لوحة رقمية عبر كريستيز بمبلغ يقارب 70 مليون دولار في عام 2021 – بنشر عمل فني جديد يحمل عنوان «حرب الفن». يجسد هذا العمل روبوتًا عملاقًا يقوم بتصحيح خطاب الاحتجاج بالحبر الأحمر، بينما يجر فنانًا بشريًا صغيرًا بسلسلة حديدية. ويعكس هذا المشهد توتر العلاقة بين الفنان والتكنولوجيا، محذرًا من تداعيات نمو خوارزميات الفن على دور الإبداع البشري.
في السياق نفسه، يشير باري ثرو، المدير التنفيذي والفني لمؤسسة «غراي آيريا» في سان فرانسيسكو، إلى أن تاريخ الفن هو تاريخ تطور التقنيات. ويؤكد أن الفنانين يجب أن يشاركوا في تشكيل وجه الذكاء الاصطناعي، حتى لا يُترك الأمر بيد الشركات التقنية وحدها، إذ قد يؤدي ذلك إلى إهمال البعد الإنساني الذي لا غنى عنه لأي عمل فني
سواء رحّب الفنانون باندماج التقنيات الحديثة في العملية الإبداعية أو رفضوه، فإن «المزاد المعزز بالذكاء الاصطناعي» سيقام في كريستيز نيويورك خلال الفترة من 20 فبراير إلى 5 مارس. ويرى البعض في هذا المزاد فرصة استثمارية هائلة تعزز توجه «الفن بالذكاء الاصطناعي»، بينما يخشى آخرون أن يشكل سابقة لترسيخ نهج قد يهضم حقوق الفنانين التقليديين. هكذا يبقى الباب مفتوحًا أمام مزيد من النقاش حول كيفية التوفيق بين التكنولوجيا وحفظ حقوق المبدعين، في وقت يحتل فيه الذكاء الاصطناعي واجهة المشهد الفني العالمي.