ما هو الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
يشير الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى نماذج التعلم العميق التي يمكنها إنشاء نصوص وصور ومحتويات أخرى عالية الجودة بناءً على البيانات التي تم تدريبها عليها.
الذكاء الاصطناعي التوليدي: بداية عصر جديد
مر الذكاء الاصطناعي بموجات عديدة من الضجة الإعلامية، لكن حتى أكثر المشككين يرون أن إطلاق ChatGPT يمثل نقطة تحول فارقة. يعتمد هذا النموذج الذي طورته شركة OpenAI على أحدث نماذج اللغة الضخمة الخاصة بها، حيث يمكنه كتابة القصائد، وإلقاء النكات، وتأليف مقالات تبدو وكأنها من صنع البشر. بمجرد إدخال عدد قليل من الكلمات، يستطيع ChatGPT إنتاج قصائد حب بأسلوب مراجعات Yelp أو كلمات أغاني بأسلوب نيك كايف.
آخر مرة برز فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي بهذا الشكل، كان ذلك في مجال رؤية الكمبيوتر، حيث تحولت الصور الشخصية إلى لوحات بأسلوب عصر النهضة، وانتشرت صور لوجوه متقدمة في العمر على وسائل التواصل الاجتماعي. أما الآن، وبعد خمس سنوات، فقد أحدثت قفزة كبيرة في معالجة اللغة الطبيعية، حيث تهيمن قدرات النماذج اللغوية الضخمة على تخيل وإنتاج محتويات في أي موضوع، ما أثار خيال الناس بشكل واسع.
نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي التوليدي
ما هي نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
يشير الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى نماذج التعلم العميق التي يمكنها معالجة البيانات الأولية، مثل محتويات ويكيبيديا بالكامل أو أعمال رمبرانت، و”تعلم” إنتاج مخرجات جديدة تكون إحصائيًا مشابهة للبيانات الأصلية لكنها ليست متطابقة.
النماذج التوليدية والابتكارات التقنية
بدأت النماذج التوليدية تُستخدم منذ سنوات في تحليل البيانات الرقمية. لكن ظهور تقنيات التعلم العميق جعل من الممكن توسيع استخدامها لتشمل الصور والصوت وأنواعًا أخرى معقدة من البيانات. كانت مشفرات التلقائية المتغيرة (VAEs)، التي ظهرت لأول مرة في عام 2013، أول النماذج التي نجحت في هذا التحول، وأصبحت تُستخدم على نطاق واسع لتوليد صور وخطابات واقعية.
لاحقًا، أدت هذه النماذج إلى ظهور تقنيات مثل الشبكات التنافسية التوليدية (GANs) ونماذج الانتشار، التي تستطيع إنتاج صور واقعية — لكنها ليست حقيقية. بهذا الشكل، مهدت VAEs الطريق للتطورات الحالية في الذكاء الاصطناعي التوليدي.
التحول إلى استخدام المحولات (Transformers)
مع إدخال المحولات (Transformers) من جوجل في عام 2017 عبر الورقة البحثية الشهيرة «Attention Is All You Need»”، تم دمج بنية التشفير والتفسير مع آلية لمعالجة النصوص تُعرف بالانتباه. غيرت هذه التقنية كيفية تدريب نماذج اللغة، مما جعلها أكثر كفاءة وسرعة.
كيف تعمل المحولات؟
•يقوم المشفر (Encoder) بتحويل النصوص الأولية غير المصنفة إلى تمثيلات تُعرف بالتضمينات.
•يقوم المفكك (Decoder) باستخدام هذه التضمينات لتوقع الكلمات التالية في الجملة تدريجيًا.
عبر ألعاب ملء الفراغ، تتعلم المحولات العلاقة بين الكلمات والجمل، ما يمنحها تمثيلًا قويًا للغة دون الحاجة لتصنيف البيانات يدويًا.
التحسينات التي جلبتها المحولات
•التوازي في المعالجة: تسمح المحولات بمعالجة النصوص دفعة واحدة بدلاً من كلمة كلمة، ما يسرع التدريب.
•تعلم المواقع والسياقات: توفر فهمًا أفضل للكلمات في الجمل الطويلة.
•التدريب المسبق بدون مهمة محددة: يمكن تدريب المحولات على نصوص ضخمة دون هدف محدد ثم تكييفها لاحقًا لمهام متنوعة باستخدام بيانات قليلة.
النماذج التوليدية الأساسية اليوم
•النماذج المعتمدة على المشفر فقط: مثل نموذج BERT الذي يُستخدم في محركات البحث وروبوتات الدردشة.
•النماذج المعتمدة على المفكك فقط: مثل GPT، بما في ذلك GPT-3، الذي كان الأكبر من نوعه عند إطلاقه عام 2020.
•النماذج المدمجة: مثل T5، التي تجمع بين ميزات BERT وGPT وتوفر أداءً عاليًا بكفاءة أكبر.
التحديات والتطورات الحديثة
النماذج التوليدية لا تزال تواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحسين الدقة والقدرة على الاستفادة من البيانات المتخصصة للمؤسسات دون تكاليف ضخمة. تقنيات مثل ضبط النماذج (Parameter-Efficient Tuning) توفر حلولًا جديدة، مما يسمح بتكييف النماذج دون الحاجة لتعديل جميع معاييرها.
التوجهات المستقبلية
حتى الآن، كان الاتجاه السائد نحو زيادة حجم النماذج والبيانات، حيث أثبتت القوانين النسبية أن النماذج الأكبر غالبًا ما تحقق نتائج أفضل. لكن أدلة جديدة تظهر أن النماذج الأصغر والمتخصصة في مجالات معينة قد تكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة. على سبيل المثال، نموذج PubMedGPT 2.75B المتخصص في البيانات الطبية تجاوز أداء النماذج العامة في هذا المجال.
النماذج الأصغر والنهج الجديد للتطوير
أظهرت التطورات الأخيرة أن النماذج الأصغر المتخصصة يمكنها في كثير من الأحيان التفوق على النماذج الضخمة متعددة الأغراض. على سبيل المثال، قام باحثون من جامعة ستانفورد بتدريب نموذج صغير نسبيًا، PubMedGPT 2.75B، باستخدام ملخصات علمية طبية، وأثبت أنه يقدم إجابات على الأسئلة الطبية بدقة تتفوق على النماذج العامة بنفس الحجم. يشير هذا إلى أن النماذج المتخصصة في مجالات محددة قد تكون الخيار الأفضل عند الحاجة إلى أداء عالٍ في سياقات معينة.
التوجه نحو تقليص حجم النماذج الكبيرة
هناك اتجاه ناشئ نحو تقليص حجم النماذج الضخمة مع الاحتفاظ بقدراتها. على سبيل المثال، قام باحثون في جامعة ستانفورد بتجربة “تقطير” قدرات نموذج اللغة الكبير GPT-3.5 في نموذج أصغر أطلق عليه Alpaca. طلب الباحثون من GPT-3.5 إنشاء آلاف التعليمات المزدوجة مع ردودها، ومن خلال ضبط التعليمات باستخدام هذه البيانات، اكتسب Alpaca مهارات محادثة مشابهة لـ ChatGPT.
أدى هذا النهج إلى ظهور نماذج جديدة مشابهة تحمل أسماء مثل Vicuna وDolly، والتي تعتمد على أساليب مشابهة لتقليص الحجم مع الاحتفاظ بالكفاءة.
المخاطر والتحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي
رغم الإمكانات الهائلة التي يحملها الذكاء الاصطناعي التوليدي لخلق قدرات جديدة وتحقيق قيمة للمؤسسات، فإنه يطرح أيضًا مجموعة من المخاطر القانونية، المالية، والسمعة. من بين هذه المخاطر:
1.«الهلاوس» أو المعلومات الخاطئة: قد تنتج النماذج التوليدية معلومات تبدو موثوقة لكنها ليست صحيحة.
2.التحيز والمحتوى المرفوض: يمكن أن يظهر محتوى منحاز أو غير مقبول بناءً على البيانات التي تم تدريب النموذج عليها.
3.التحديات المتعلقة بالخصوصية وحقوق الملكية الفكرية: يمكن للنماذج أن تتضمن معلومات شخصية أو محمية بحقوق الملكية في بياناتها التدريبية وتعيد استخدامها لاحقًا، مما يثير قضايا قانونية.
التعامل مع هذه التحديات يمثل مجالًا مفتوحًا للبحث.
إلى أين يتجه الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
حتى وقت قريب، كان التوجه السائد في الذكاء الاصطناعي التوليدي يعتمد على زيادة حجم النماذج والبيانات للحصول على نتائج أفضل. الآن، يمكن للباحثين تقدير قوة النموذج الجديد بناءً على أداء النماذج السابقة، مما يساعدهم في اتخاذ قرارات مستنيرة حول استثمار الموارد.
ومع ذلك، يظهر اتجاه آخر يدعو إلى التخصص وتقليل الحجم مع التركيز على البيانات الخاصة بالمجال. هذا النهج قد يُثبت كفاءته في العديد من الاستخدامات العملية، لا سيما عندما تكون هناك حاجة إلى أداء متخصص بتكلفة أقل.
الخلاصة
الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أحد أكثر التطورات إثارة في مجال التكنولوجيا اليوم، مع إمكانيات غير محدودة تقريبًا لخلق قيمة جديدة وحل مشاكل معقدة. ومع ذلك، تظل المخاطر المصاحبة له تحديًا يتطلب حلولًا مبتكرة لضمان تطويره بشكل مسؤول ومستدام.