في حوار مثير، يتوقّع بيل غيتس أن يقود الذكاء الاصطناعي ثورة في قطاعي التعليم والصحّة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الوظائف.
شكّل بيل غيتس، مؤسّس شركة مايكروسوفت، أحد أبرز الرموز في عالم التكنولوجيا الحديثة، حيث ساهمت رؤيته في رسم ملامح عصر الحواسيب الشخصيّة. واليوم، يعود غيتس إلى الواجهة من جديد ليتناول مستقبل الذكاء الاصطناعي، وقدرته على قلب الموازين في قطاعات التعليم والصحّة والعمل. وفي حديث إعلامي حديث، أشار غيتس إلى أنّ الذكاء الاصطناعي سيبلغ مستوى من التطوّر يمكّنه من تعليم الطلبة وعلاج المرضى، ما يثير تساؤلات عديدة حول دور البشر في سوق العمل، وكيفية تنظيم هذا التحوّل التكنولوجي السريع.
تعلّم الأجيال بالرغم من المخاوف
يشير غيتس إلى أنّ الذكاء الاصطناعي سيجعل من «التعليم المتميّز» متاحًا للجميع خلال العقد القادم، وسيؤدّي دور المعلّم الافتراضي القادر على التكيّف مع الاحتياجات الفردية للطلاب. فبدلًا من اقتصار العملية التعليمية على المدارس التقليدية، يمكن أن تتوفّر برامج وتطبيقات ذكية تقدّم شروحات متخصّصة ودروسًا تفاعلية تراعي مستويات الطلاب المختلفة.
لكن هذا التفاؤل يصاحبه تخوّف من تأثير التكنولوجيا على التواصل الإنساني المباشر. فالتعليم عبر الشاشات أو البرامج قد يعمّق الفجوة بين الطالب والأستاذ، ويقلّل من التواصل الاجتماعي داخل المدارس. ومع ذلك، يؤكّد غيتس على أنّ الرؤية تكمن في دمج تلك التقنيات مع التعليم المدرسي، لا استبداله بالكامل.
اقرأ أيضًا: هل يشكّل ذكاء «ديب سيك» الصيني خطرًا على أمن أمريكا؟
الذكاء الاصطناعي في عالم الطب
ذكر غيتس أنّ التطبيقات الطبية للذكاء الاصطناعي ستزداد انتشارًا خلال الأعوام القادمة، موضّحًا أنّ «الأطباء الممتازين» قد يصبحون متوفرين للجميع بفضل النظم الذكية. فعن طريق تحليل البيانات الطبية وتتبّع التاريخ الصحي للمريض، يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح التشخيص المناسب وتقديم الإرشادات العلاجية. وقد ظهرت فعليًا برامج تحليل صور الأشعة واكتشاف الأمراض في مراحلها المبكرة، ما يشير إلى تسارع كبير في هذا المجال.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحدّيات تتعلّق بأخطاء التشخيص واحتمالية تأخّر العلاج أو اعتماده بشكل كبير على خوارزميات قد لا تتعامل جيدًا مع الحالات النادرة. كما أنّ المسألة الأخلاقية تطرح بقوّة؛ فمن المسؤول عن قرار طبي خاطئ: الشخص الذي طوّر الخوارزمية أم الطاقم الطبي الذي اعتمد عليها؟
تأثيرات محتملة على سوق العمل
من القضايا التي تثير الجدل فيما يتعلّق بتوسّع استخدام الذكاء الاصطناعي هي مسألة ساعات العمل ومستقبل الوظائف التقليدية. بحسب غيتس، قد يستطيع البشر العمل أيّامًا أقل، ربّما يومين أو ثلاثة فقط في الأسبوع. فمن المنطقي أن تؤدّي الأتمتة وتطوّر الخوارزميات إلى تقليص الحاجة للموظفين في بعض القطاعات، خصوصًا تلك التي تعتمد على العمل الروتيني.
في المقابل، هناك قطاعات جديدة ستنشأ لتطوير الأنظمة الذكية وصيانتها وتصميم التطبيقات المبتكرة، ما يفسح المجال لفرص عمل مختلفة تتطلّب مهارات عالية في مجالات البرمجة والبحث والتطوير. وبذلك، يواجه العالم تحدّي إعادة تأهيل القوى العاملة وتنمية مهاراتهم كي لا تبقى شرائح واسعة مهدّدة بالبطالة.
اقرأ أيضًا: الفوائد والمخاطر المتزايدة للذكاء الاصطناعي: دعوة ملحّة لتنظيم شامل
مخاطر وتحدّيات مستقبلية
وقّع بيل غيتس في عام 2023 على رسالة مفتوحة تحذّر من المخاطر الكبيرة للذكاء الاصطناعي، وتصفه بأنّه يشكّل تهديدًا على مستوى الأوبئة والكوارث النووية. فهذه المخاوف لا تقتصر على احتمال خسارة الوظائف، بل تمتد لتشمل تلاعبًا بالرأي العام، أو نشر معلومات مضلّلة، أو حتى احتمالية تطوير أنظمة خارجة عن السيطرة الإنسانية.
وبالإضافة إلى غيتس، شارك في التوقيع مسؤولون بارزون آخرون في مجال الذكاء الاصطناعي، ممن أسّسوا شركات رائدة أو عملوا على تطوير أنظمة متقدمة. ورغم أنّ إجابة «هل سيظل البشر ضروريين؟» تبقى مفتوحة، فإن الاتفاق يتركّز حول ضرورة وجود حوكمة ورقابة على هذه التقنيات لمنع استغلالها في نشاطات خطيرة.
يرى بيل غيتس أنّ الذكاء الاصطناعي يحمل آفاقًا ثوريّة، كجعل الرعاية الطبية والتعليم رهن إشارة جميع أفراد المجتمع. ولكن هذه التحوّلات الكبيرة تستدعي تفكيرًا عميقًا في المسائل الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها. وبين التفاؤل الحذر بالمستقبل والخشية من فقدان السيطرة، تظلّ مسؤولية الحكومات والشركات والمجتمع المدني قائمة لصياغة سياسات رشيدة تضمن استفادة العالم من الذكاء الاصطناعي دون أن يتحوّل إلى تهديد وجودي.