شركة أوبن إيه آي، التي أصبحت اليوم في طليعة شركات الذكاء الاصطناعي، تحمل في طيات تاريخها صراعات شديدة بين مؤسسيها الرئيسيين، إيلون ماسك وسام ألتمان. تأسست الشركة برؤية طموحة لتطوير ذكاء اصطناعي آمن ومفتوح يخدم الإنسانية، لكن مسيرتها كانت مليئة بالتوترات حول القيادة، التمويل، والرؤية المستقبلية.
في هذا المقال، نستعرض بدايات أوبن إيه آي، الصراعات التي شهدتها، وكيف أثرت تلك الخلافات على مسارها ومستقبل الذكاء الاصطناعي.
البداية: رؤية طموحة وصراعات داخلية
تأسست أوبن إيه آي في ديسمبر 2015 كمنظمة غير ربحية تهدف إلى تطوير ذكاء اصطناعي يضع الإنسانية في المقدمة. في البداية، كان الهدف هو التصدي لهيمنة عمالقة التكنولوجيا مثل جوجل، الذين كانوا يتصدرون تطوير الذكاء الاصطناعي. سعى مؤسسو أوبن إيه آي، بقيادة سام ألتمان وإيلون ماسك، إلى بناء نظام ذكاء اصطناعي يخدم البشرية بدلاً من التحكم بها.
استثمر إيلون ماسك ما بين 50 و100 مليون دولار لدعم هذا المشروع الطموح، في حين اعتمد سام ألتمان، بصفته رئيسًا لمسرعة الأعمال «واي كومبينيتور»، على شبكة علاقاته لجذب أفضل الباحثين والمواهب في مجال الذكاء الاصطناعي. وصف ألتمان المشروع بأنه «مشروع مانهاتن للذكاء الاصطناعي»، وكان يعتقد أن جمع فريق من أفضل العقول في العالم سيسمح للشركة بتحقيق هدفها.
لكن، منذ البداية، ظهرت خلافات واضحة حول القيادة والرؤية. ماسك كان يرى أن أوبن إيه آي يجب أن تكون مستقلة تمامًا، بينما ألتمان كان يسعى لتحقيق توازن بين الاستقلالية وجذب المستثمرين والشركاء.
الشراكة مع مايكروسوفت وتفاقم التوترات
في عام 2016، بدأت أوبن إيه آي في البحث عن شراكات لتأمين الموارد التقنية اللازمة لتطوير مشاريعها. كانت إحدى هذه الشراكات مع مايكروسوفت، التي عرضت توفير خدمات حوسبة بقيمة 60 مليون دولار مقابل 10 ملايين دولار فقط. ولكن، تضمنت الصفقة بندًا يطلب من أوبن إيه آي الترويج لأدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بمايكروسوفت، وهو ما أثار غضب ماسك.
في رسائل بريد إلكتروني كُشفت مؤخرًا، وصف ماسك هذا الشرط بأنه يجعله يشعر بـ«الغثيان»، قائلاً إنه لا يريد أن تبدو أوبن إيه آي كأنها «أداة تسويقية لمايكروسوفت». في نهاية المطاف، نجح ألتمان في تعديل شروط الاتفاقية لتكون بدون أي التزامات تسويقية، مما جعل ماسك يوافق على الصفقة، ولكن التوترات بينهما ازدادت بشكل واضح.
الصراع على القيادة والهيمنة
مع مرور الوقت، تفاقمت الخلافات بين ماسك وألتمان حول رؤية أوبن إيه آي المستقبلية. في عام 2017، بدأ ماسك بالتعبير عن قلقه بشأن قدرة الشركة على مواكبة المنافسة مع شركات مثل جوجل. في أحد الرسائل الإلكترونية، اقترح ماسك أن يتولى منصب الرئيس التنفيذي لضمان تحقيق رؤية الشركة. ولكن هذا الاقتراح قوبل بمعارضة شديدة من باقي المؤسسين، بما في ذلك جريج بروكمان وإيليا سوتسكيفر، الذين حذروا من احتمال سيطرة ماسك الكاملة على الشركة.
في رسالة بريد إلكتروني مشتركة، أعرب بروكمان وسوتسكيفر عن مخاوفهم من أن تولي ماسك لمنصب الرئيس التنفيذي قد يؤدي إلى إنشاء «ديكتاتورية ذكاء اصطناعي». كما أشاروا إلى أنهم اتخذوا قرارات مالية سابقة بناءً على وعود ماسك بالتمويل، ولكنهم بدأوا يشعرون بأنهم فقدوا السيطرة على مسار الشركة.
انسحاب ماسك وتحول أوبن إيه آي إلى الربحية
في فبراير 2018، انسحب ماسك من مجلس إدارة أوبن إيه آي، وقرر وقف تمويله للشركة. كان انسحاب ماسك نقطة تحول رئيسية في تاريخ أوبن إيه آي، حيث وضعت الشركة تحت ضغط كبير للعثور على مصادر تمويل جديدة.
في عام 2019، أعلنت أوبن إيه آي عن تحولها إلى كيان ربحي محدود (Capped-Profit)، وهو ما أثار جدلاً كبيرًا. رغم أن هذا التحول سمح للشركة بجذب استثمارات من شخصيات بارزة مثل ريد هوفمان وفينود خوسلا، إلا أنه أثار تساؤلات حول التزام الشركة بمبادئها الأصلية.
الدعوى القضائية الحالية
في الأشهر الأخيرة، رفع ماسك دعوى قضائية ضد أوبن إيه آي ومايكروسوفت، متهماً إياهما بممارسات مناهضة للمنافسة. الدعوى، التي تسلط الضوء على تفاصيل جديدة حول بدايات الشركة، تسعى إلى الكشف عن التغيرات التي مرت بها أوبن إيه آي منذ تأسيسها، وكيف تحولت من منظمة غير ربحية مفتوحة المصدر إلى ما وصفه ماسك بـ«شركة تابعة لمايكروسوفت».
يرى بعض المراقبين أن هذه الدعوى ليست سوى محاولة من ماسك لتقويض سمعة ألتمان واستعادة النفوذ في سوق الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإنها تقدم للجمهور لمحة نادرة عن الصراعات الداخلية التي شكلت مسار أوبن إيه آي.
المستقبل: سباق نحو السيطرة على الذكاء الاصطناعي
اليوم، أوبن إيه آي وماسك يقفان في مواجهة مباشرة، حيث أسس ماسك شركته الخاصة بالذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» كجزء من محاولاته للتنافس مع أوبن إيه آي. بينما تواصل أوبن إيه آي تطوير تقنياتها وتحقيق نجاحات تجارية كبيرة، يبقى السؤال الرئيسي: هل يمكنها الحفاظ على رؤيتها الأصلية لخدمة الإنسانية في ظل التحديات التجارية؟
في النهاية، يمثل الصراع بين ماسك وألتمان أكثر من مجرد خلاف بين شخصيتين. إنه يعكس التحديات الأوسع التي تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي، حيث يتقاطع السعي نحو الربح مع القضايا الأخلاقية والمخاطر الوجودية التي قد تواجه البشرية.