فريق بحثي يقوده عالم نوبل يفتح الباب أمام جيل جديد من تصميم إنزيمات بالذكاء الاصطناعي، مصممة من الصفر من خلاله.
تُعَدّ الإنزيمات من أهم المركبات البروتينية في الكائنات الحية، حيث تقوم بتسريع التفاعلات الكيميائية وتحويل الجزيئات تحت ظروف طبيعية وبكفاءة عالية. وتتجلى أهميتها في مختلف التطبيقات الطبية والصناعية، مثل إنتاج العقاقير وتطوير الصناعات الغذائية ومعالجة النفايات. ويُعزى شغف العلماء بالبحث في مجال الإنزيمات إلى قدرتها الفائقة على التحكم في العديد من العمليات الحيوية.
دور مختبر ديفيد بيكر
نجح فريق بحثي في «جامعة واشنطن» بقيادة عالم الكيمياء الحيوية الحائز على جائزة نوبل، ديفيد بيكر، في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم إنزيمات جديدة تماماً تتسم بفاعلية لافتة. يُعرف مختبر بيكر بأنه أحد الرواد في مجال أبحاث البروتينات وتصميمها، وقد قاده الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى اكتشاف طرق مبتكرة للتغلب على التحديات التي واجهت العلماء سابقاً في ابتكار الإنزيمات.
الإنزيمات المصممة بالذكاء الاصطناعي
على مدى عقود، اعتمد العلماء على «الإنزيمات الهجينة» التي يتم بناؤها عبر تجميع أجزاء من بروتينات موجودة في الطبيعة، بهدف أداء وظيفة محددة. لكن هذه الطريقة أشبه بمحاولة تجميع بدلة من سوق ملابس مستعملة: قد تفي بالغرض مؤقتاً، لكنها لا تتلاءم تماماً مع المهام المتخصصة. هنا برز دور الذكاء الاصطناعي في ابتكار إنزيمات «مصممة من الصفر»، تملك القدرة على تغيير شكلها وملاءمة الجزيئات بصورة دقيقة لتسريع التفاعلات المطلوبة.
اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي يقود ثورة في اكتشاف الأدوية
نموذج «آر إف ديفيوجن»
تمكّن الفريق من الاستعانة بنموذج متقدم يُعرَف باسم «آر إف ديفيوجن»، جرى تطويره في مختبر بيكر، وهو متاح كمصدر مفتوح. يعمل هذا النموذج على توليد تصاميم بروتينية جديدة تتوافق مع الوظيفة المطلوبة. كما استخدم العلماء أداة إضافية تُدعَى «بلاسر» لتقييم نماذج الإنزيمات والتعرّف على الخيارات الأكثر كفاءة وفاعلية.
التركيز على «سيرين هايدروليز»
لاختبار منهجيتهم، اختار الباحثون إنزيماً معروفاً باسم «سيرين هايدروليز»، يشتهر بقدرته على تكسير روابط مهمة في العديد من الجزيئات الكربونية مثل البلاستيك والمواد الدهنية. ومن خلال تصاميم الذكاء الاصطناعي الجديدة، تم الحصول على إنزيمات تقترب في أدائها من الإنزيمات الطبيعية، مع إمكانات واعدة لتطوير قدرات أعلى مستقبلاً.
التطبيقات المحتملة
تمهّد هذه الخطوة الطريق أمام أبحاث جديدة في مجالات واسعة، منها صناعة الأدوية وتدوير النفايات البلاستيكية. فمثلاً، تسعى إحدى الباحثات في الفريق إلى توجيه هذه الإنزيمات نحو تكسير أنواع مختلفة من البلاستيك، ما قد يفتح آفاقاً لحلول بيئية تسهم في تخفيف عبء التلوّث البلاستيكي. ومن المحتمل أن تظهر إنزيمات مصممة خصيصاً للتعامل مع مشكلات بيئية أو صناعية لم تجد حلولاً مرضية حتى الآن.
دقة الإنزيمات المصممة
على الرغم من أنّ الإنزيمات المصممة بالذكاء الاصطناعي لم تتجاوز بعد أداء نظيراتها الطبيعية الأكثر تطوراً، فإن النتائج الحالية تبشر بقرب الوصول إلى مستوى موازٍ، بل وربما التفوق عليه. ويعتبر الفريق البحثي أنّ مجرد إثبات إمكانية تخليق إنزيمات جديدة بمثل هذه الدقة، هو إنجاز علمي يقترب من تحقيق أحد «التحديات الكبرى في العلوم».
اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي والرياضة: كيف يُحدث ثورة في سباقات النخبة والتدريب
آفاق مستقبلية للبحث
يشير أعضاء الفريق إلى أنّ هذه القفزة ستشجع باحثين آخرين على استكشاف مسارات تصميم الإنزيمات باستخدام النماذج الحاسوبية. إذ من المتوقع أن نشهد مزيداً من الأبحاث والتجارب التي تسعى إلى تطوير إنزيمات متخصصة وحلول تقنية تعالج مشكلات معقدة، بدايةً من تحسين إنتاج العقاقير ووصولاً إلى التحكم في النفايات والتلوث.
أهمية الابتكارات المشتركة
يرى الباحثون أنّ تكامل الجهود بين المختبرات المختلفة وتبادل المعرفة هو السبيل الأمثل لتسريع الابتكارات في مجال تصميم الإنزيمات. فالتعاون العلمي هو ما يتيح مشاركة البيانات والتقنيات، ويضمن استمرار التطوير وتخطي العقبات التي قد تواجه فريقاً واحداً في بيئة منعزلة.
يشكّل هذا الإنجاز نقطة تحول في مجال تصميم الإنزيمات، ويمهّد لحقبة جديدة من الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز أداء البروتينات وابتكار وظائف لم يكن من الممكن تحقيقها سابقاً. ومع تسارع وتيرة الأبحاث، يأمل العلماء أن تتسع دائرة التطبيقات المتاحة لهذه الإنزيمات المصممة، فتشمل قطاعات طبية وصناعية وبيئية أشد حاجة للتطوير والتجديد.