تتخذ شركة «أوبن إي آي» مسارا جديدا يتسم بقدر عال من الانضباط المالي والترشيد في النفقات، وذلك في إطار استعداداتها المكثفة لطرح عام أولي محتمل لأسهمها في الأسواق المالية. وتشير المعطيات الحالية إلى أن هذا الاكتتاب العام قد يتم في الربع الأخير من عام 2026. وكجزء من هذا التحول الاستراتيجي، قررت الشركة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي التراجع عن اتفاقية سابقة شديدة الطموح لتطوير البنية التحتية مع عملاقة الرقائق «إنفيديا»، والتي كانت قيمتها تصل إلى 100 مليار دولار. وبدلا من ذلك، اتجهت الشركة نحو تقليص أهداف الإنفاق طويلة الأجل على الحوسبة بأكثر من النصف، مما يعكس رغبة واضحة في تحقيق توازن دقيق بين مساعي النمو الجامح ومتطلبات الاستدامة المالية.
صفقة أصغر ورسائل أعمق للأسواق
خلال مشاركته في مؤتمر التكنولوجيا والإعلام والاتصالات الذي نظمته مؤسسة «مورغان ستانلي» في أوائل شهر مارس، أدلى الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جنسن هوانغ، بتصريحات لافتة حول العلاقة بين الشركتين. فقد أوضح هوانغ أن الاستثمار البالغ قيمته 30 مليار دولار الذي تضخه الشركة المصنعة للرقائق في «أوبن إي آي» قد يكون المرة الأخيرة التي تستثمر فيها في الشركة قبل أن تتحول إلى شركة مساهمة عامة. وكانت المذكرة الأصلية التي تم التفاهم عليها في شهر سبتمبر من عام 2025 تضع تصورا لاستثمارات تصل إلى 100 مليار دولار وبناء قدرات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تصل إلى 10 غيغاواط. إلا أن هوانغ اعترف بصراحة بأن تنفيذ الصفقة الكاملة لم يعد مطروحا على الطاولة، نظرا للمسار الجديد الذي تتخذه «أوبن إي آي» نحو الاكتتاب العام الأولي. وقد كانت الإفصاحات ربع السنوية لشركة «إنفيديا» قد أعطت إشارات مسبقة بأن الاتفاقية الشاملة محاطة بحالة من عدم اليقين، حيث أشارت إلى عدم وجود أي ضمانات بشأن إتمام الشراكة الأوسع نطاقا.
إعادة ضبط التوقعات المالية وتقليص النفقات
لا يعتبر هذا التراجع خطوة منعزلة، بل هو جزء من عملية إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية المالية. ففي شهر فبراير، أبلغت «أوبن إي آي» مستثمريها بأنها تستهدف الآن إنفاقا إجماليا على الحوسبة يقدر بحوالي 600 مليار دولار بحلول عام 2030، ويمثل هذا الرقم تخفيضا حادا مقارنة بالالتزامات السابقة في البنية التحتية التي كان يروج لها الرئيس التنفيذي سام ألتمان، والتي كانت تبلغ 1.4 تريليون دولار. وفي المقابل، تتوقع الشركة أن تتجاوز إيراداتها الإجمالية حاجز 280 مليار دولار بحلول عام 2030، مع مساهمات شبه متساوية من قطاعي المستهلكين والمؤسسات. وتهدف خطة الإنفاق المعدلة هذه إلى التوافق بشكل أكثر دقة وواقعية مع مسار النمو المتوقع للشركة خلال السنوات المقبلة.
تسريع التحضيرات للاكتتاب العام
تعمل «أوبن إي آي» حاليا على إرساء القواعد المتينة لطرحها العام الأولي على جبهات متعددة. وقد أفادت تقارير سابقة بأن الشركة تجري محادثات غير رسمية مع كبار المصرفيين ومسؤولي البنوك الاستثمارية حول إدراج محتمل في الربع الأخير من العام المذكور. وفي السياق ذاته، تقود سارة فريار، المديرة المالية للشركة، جهودا حثيثة لتوسيع الفريق المالي، حيث قامت بتعيين مديرين تنفيذيين سابقين في مجالات المحاسبة وعلاقات المستثمرين، من بينهم سينثيا جايلور التي ستتولى إدارة علاقات المستثمرين. وخلال اجتماع شامل لجميع الموظفين عقد في وقت سابق من هذا الشهر، أكدت فيدجي سيمو، الرئيسة التنفيذية للتطبيقات، أن الشركة تتجه بقوة وحزم نحو التركيز على عملاء المؤسسات وتطوير تطبيقات عالية الكفاءة تلبي احتياجات سوق العمل المتطورة.
تحديات السوق وجولة التمويل الضخمة
يأتي هذا التحول الاستراتيجي في وقت تتزايد فيه شكوك قطاع المال والأعمال حول جدوى الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويشير المحللون الماليون إلى وجود فجوة آخذة في الاتساع بين مئات المليارات من الدولارات التي تضخها الشركات الكبرى في بناء مراكز البيانات، وبين الإيرادات الإضافية الفعلية التي يتم تحقيقها حتى الآن. ورغم هذه الشكوك، نجحت «أوبن إي آي» في إغلاق جولة تمويل ضخمة بلغت 110 مليارات دولار، بدعم من شركة «أمازون» التي ساهمت بمبلغ 50 مليار دولار، وكل من «سوفت بانك» و«إنفيديا» بـ 30 مليار دولار لكل منهما. وقد أوصلت هذه الجولة التمويلية تقييم الشركة إلى 730 مليار دولار قبل ضخ الأموال الجديدة، مما يعكس ثقة المستثمرين الراسخة في رؤيتها طويلة المدى.
طفرة التوظيف وسط احتدام المنافسة
على الرغم من تشديد ميزانيتها الخاصة بالبنية التحتية، تعتزم الشركة مضاعفة حجم قوتها العاملة تقريبا لتصل إلى حوالي 8000 موظف، ارتفاعا من حوالي 4500 موظف بحلول نهاية العام الجاري. وستشمل التعيينات الجديدة مجالات حيوية متعددة تضم الهندسة، والأبحاث، وتطوير المنتجات، والمبيعات، بالإضافة إلى أدوار جديدة تسمى سفراء التكنولوجيا، والتي تركز على مساعدة الشركات في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي بسلاسة. ويعكس هذا التوسع السريع الضغط التنافسي المتزايد من قبل شركة «أنثروبيك»، التي يكتسب روبوت الدردشة الخاص بها «كلود» زخما استثنائيا في قطاع المؤسسات. وتشير أحدث البيانات التحليلية إلى أن احتمالية اختيار الشركات لمنتجات «أنثروبيك» تفوق نظيرتها في «أوبن إي آي» بنسبة 70 بالمئة عند شراء خدمات الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى، مما يبرر اندفاع الشركة المستمر نحو استقطاب الكفاءات والتركيز بقوة على قطاع الأعمال الاستراتيجي.
الأسئلة الشائعة
متى تتوقع شركة «أوبن إي آي» إجراء الاكتتاب العام الأولي؟
من المتوقع أن تقوم الشركة بخطوة الطرح العام الأولي لأسهمها في الأسواق المالية في الربع الأخير من عام 2026.
ما هو التعديل الذي طرأ على خطط إنفاق الشركة فيما يخص البنية التحتية؟
قررت الشركة خفض هدف إنفاقها الإجمالي على الحوسبة والبنية التحتية بحلول عام 2030 من 1.4 تريليون دولار إلى حوالي 600 مليار دولار، في خطوة تهدف لتعزيز الانضباط المالي.
كيف تستعد الشركة لمواجهة المنافسة المتزايدة في سوق الذكاء الاصطناعي؟
تخطط الشركة لمضاعفة عدد موظفيها تقريبا من 4500 إلى نحو 8000 موظف بحلول نهاية العام، مع التركيز على استقطاب كفاءات في مجالات الهندسة والأبحاث والمبيعات لمواجهة منافسة شركات مثل «أنثروبيك».