في أكبر قفزة منذ إطلاقها، أليكسا تستعد لإضافة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وسط تساؤلات حول الخصوصية ومستقبل هذه الخدمة.
عندما طرحت شركة أمازون مساعدها الصوتي أليكسا قبل سنوات، أحدثت بذلك نقلة نوعية في مجال الأجهزة الذكية والتحكّم الصوتي. وبعد مرور أكثر من عقد على ذلك الإنجاز التقني، تستعدّ أمازون حاليًا لإطلاق نسخة جديدة من أليكسا تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، في خطوة وُصفت بأنها الأهم منذ الإصدار الأوّل للمساعد الصوتي الشهير. تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه سوق المساعدات الصوتية تنافسًا حادًا بين شركات ضخمة، مثل مايكروسوفت وغوغل وميتا، ما يدفع أمازون للبحث عن سبل جديدة لتحقيق الأرباح من هذا القطاع الذي بات مُكلفًا وغير مربح بالشكل الكافي.
نقلة نوعية في قدرات أليكسا
وفقًا للتسريبات والتقارير الواردة من داخل أمازون، فإن النسخة المطوّرة من أليكسا ستتمتّع بقدرة على الاستجابة لعدّة أوامر متتالية من المستخدم ضمن سياق حواري واحد. وسيكون بإمكانها تذكّر التفضيلات الشخصية للمستخدم، ما يتيح لها اقتراحات أدق في مجالات مثل طلب الطعام والاستماع إلى الموسيقى وطلب سيارات الأجرة. والأهم من ذلك، ستعمل أليكسا الجديدة كـ«وكيل» للمستخدم، بحيث تتمكّن من تنفيذ بعض الإجراءات بشكل تلقائي دون الحاجة لتدخّل بشري مستمر.
من المتوقّع أن يسهم هذا التطوير في رفع مستوى تفاعل المساعد الصوتي مع المستخدمين، وتحويله من مجرد جهاز يجيب على استفسارات بسيطة إلى منصة أكثر تطوّرًا تلبي احتياجات معقّدة. ومع ذلك، تواجه أمازون تحدّيًا يكمن في تفادي ما يُعرف بـ«الهلوسة» في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهي ظاهرة تتمثّل في تقديم أجوبة خاطئة أو مفتعلة.
اقرأ أيضًا: سامسونغ تكشف عن Gauss 2: قفزة نوعية في الذكاء الاصطناعي
مخاوف تتعلّق بالخصوصية والأمان
يرى خبراء الأمن السيبراني أنّ توسّع قدرات المساعد الصوتي قد يطرح تساؤلات جدّية حول حماية البيانات الشخصية، إذ سيحظى أليكسا بإمكانية الوصول إلى معلومات أكثر عن حياة المستخدم واحتياجاته. وفي حال وقوع هجمات إلكترونية أو اختراقات، قد تصبح هذه المعلومات الحسّاسة عُرضة للاستغلال غير المشروع.
إلى جانب ذلك، تبرز مشكلة الأخطاء التي قد تحدث عند منح المساعد الصوتي صلاحيات واسعة للتصرّف نيابة عن المستخدم، مثل إجراء عمليات شراء أو إرسال رسائل دون تأكيد. رغم أنّ أمازون أكّدت نيتها طرح إجراءات أمان إضافية لتفادي هذه الأخطاء، إلّا أنّ الشكوك تبقى قائمة حتى تثبت التقنيات نجاعتها في التطبيقات الواقعية.
خطة الإطلاق والتسعير
تشير المصادر إلى أنّ أمازون تخطّط لطرح هذه الخدمة بدايةً لعدد محدود من المستخدمين، لتجربتها ورصد الأخطاء والعيوب قبل إطلاقها على نطاق واسع. قد تُطرَح النسخة المطوّرة من أليكسا بشكل مجاني في البداية، مع احتمالية أن تتراوح رسوم الاشتراك الشهري بين 5 و10 دولارات في وقت لاحق.
وفي حين ستبقى النسخة القديمة «الكلاسيكية» من أليكسا متوفّرة مجانًا، يبدو أنّ أمازون لن تضيف مزايا جديدة إليها، ما قد يشجّع المستخدمين على الانتقال إلى النسخة الحديثة. وتراهن الشركة على عدد الأجهزة الهائل الموجود في الأسواق والمزودة بأليكسا، إذ يتجاوز عددها 500 مليون جهاز.
اقرأ أيضًا: سباق البنى التحتية: كيف تُشعل ميتا المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي؟
رهان أمازون على المستقبل
تأمل أمازون في أن تتمكّن النسخة المطوّرة من أليكسا من جذب شرائح جديدة من المستخدمين والمستثمرين، وتعويض التكاليف الضخمة التي تتكبّدها في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي. فمنذ ظهور المساعدات الصوتية، بقيت مشكلة تحقيق الأرباح بشكل واضح قائمة، إذ يميل المستخدمون لاستعمال أليكسا في مهام بسيطة مثل ضبط المنبّه أو تشغيل الموسيقى، وهي وظائف لا تدرّ عوائد مالية كافية على الشركة.
ومع صعود المنافسين مثل غوغل المزوّد بخدمات البحث الذكية، ومايكروسوفت التي أبرمت شراكات استراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي، تدرك أمازون أنّ عليها إعادة ابتكار منتجها لكي يظلّ قادرًا على التنافس في سوق متقلّبة وسريعة التغيّر.
تحدّيات التطبيق العملي
تأتي هذه المبادرة في وقت تُثار فيه الأسئلة حول قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي على تقديم خدمات موثوقة وواقعية. إذ من المعروف أنّ النماذج اللغوية الضخمة تستهلك موارد حوسبة هائلة، وقد تسبّب ضغوطًا اقتصادية وبيئية عندما تعمل على نطاق واسع. علاوةً على ذلك، تتطلب طبيعة التفاعل المستمر مع المستخدم مستوىً متقدّمًا من معالجة اللغة والتعلّم العميق، ما يزيد من احتمالات ظهور أخطاء أو ردود غير مناسبة.
يشكّل التحوّل المرتقب في أليكسا نقلة نوعية على مستوى المساعدات الصوتية، قد يحدّد مستقبل هذا القطاع الحيوي. وبينما يترقّب المستخدمون بفارغ الصبر مزايا المساعد الصوتي الذكي، تظلّ أسئلة الخصوصية والأمان والأرباح مطروحة بقوة. فإذا نجحت أمازون في تحقيق التوازن بين الابتكار وضمان سلامة بيانات المستخدمين، فقد تُحدث ثورة حقيقية في طريقة تفاعلنا مع التقنيات الصوتية. أمّا إذا عجزت عن ذلك، فقد يفتح الباب أمام منافسين أكثر استعدادًا لإحداث التطوير المنشود.