بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية، أوبن إيه آي تطلق موجة تغييرات كبرى في عالم الذكاء الاصطناعي
أعلنت شركة أوبن إيه آي عن تغييرات جذرية في كيفية تدريب نماذجها للذكاء الاصطناعي، في خطوة تهدف إلى توسيع هامش «الحرية الفكرية» وزيادة حرية شات جي بي تي ليكون قادراً على الإجابة عن عدد أكبر من الأسئلة الحساسة أو الخلافية. يأتي ذلك في وقت تزداد فيه التساؤلات حول دور منصات الذكاء الاصطناعي في توجيه الرأي العام، وتحكّمها بمخرجات الإجابات المتعلقة بالسياسة والقضايا الاجتماعية.
أساس التغيير: عدم الكذب والسعي نحو الحقيقة
أبرز ما كشفت عنه أوبن إيه آي في الوثيقة الجديدة «موديل سبيك» التي تصل إلى 187 صفحة، هو مبدأ «عدم الكذب» بكل أشكاله، سواء بنشر معلومات خاطئة أو إخفاء حقائق مهمة. كما أضافت الشركة قسماً جديداً بعنوان «ابحث عن الحقيقة معاً»، تؤكد فيه رغبتها في تقديم وجهات نظر متعددة حول المواضيع المثيرة للجدل، حتى لو كانت بعض هذه الموضوعات حساسة أو تعتبرها فئات معينة غير أخلاقية أو مسيئة.
اقرأ أيضًا: الفوائد والمخاطر المتزايدة للذكاء الاصطناعي: دعوة ملحّة لتنظيم شامل
تخفيض الرقابة وزيادة الخيارات
رغم أن شات جي بي تي سيستمر في رفض الإجابة عن بعض الأسئلة الخارجة عن حدود المنطق أو تلك التي تشجع على العنف أو الكراهية الصريحة، إلا أن السياسة الجديدة تميل إلى السماح للمستخدم بطرح أسئلة عن المواضيع السياسية أو الاجتماعية الشائكة وتلقّي إجابات محايدة أو متعددة الوجهات. كمثال على ذلك، أشارت أوبن إيه آي إلى عبارات من قبيل «حياة ذوي البشرة السمراء مهمة» و«حياة الجميع مهمة»، حيث يُسمح للبرنامج الآن بطرح وجهتي النظر وتوفير سياق تاريخي واجتماعي لكل منهما.
المخاوف من استغلال التغيير
بعض النقاد يرون أن أوبن إيه آي قد تسعى إلى كسب ود الإدارة السياسية الجديدة في الولايات المتحدة، خاصة بعد الانتقادات المحافظة التي وجهت للشركة بسبب «انحياز» مزعوم نحو اليسار في سياسات المنصة السابقة. ولكن المتحدث الرسمي باسم أوبن إيه آي أشار إلى أن التحوّل يعكس التزام الشركة طويل الأمد بمنح المستخدم مزيداً من السيطرة، وليس استجابة لضغوط سياسية.
الذكاء الاصطناعي والصراعات الثقافية
شهدت الأشهر الماضية تصاعداً في الانتقادات الموجهة من شخصيات بارزة مقربة من الرئيس الأمريكي الحالي تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى. حيث يتهمون هذه الشركات بممارسة نوع من «الرقابة» التي تقلل من انتشار الآراء المحافظة. ويبدو أن أوبن إيه آي تحاول التناغم مع توجه عام في وادي السيليكون، نحو الانفتاح على مختلف الآراء وتخفيف سياسات الحظر. لكن السؤال يظل قائماً: هل تعكس هذه الخطوة تحولاً حقيقياً في مفهوم «أمان الذكاء الاصطناعي» أم أنها مجرد مسايرة للمناخ السياسي؟
التوازن بين الحرية والأمان
ربما يكون الهدف من هذا الانفتاح على مواضيع مثيرة للجدل هو التأكيد على نزاهة المنصة وحرية شات جي بي تي، ودورها في توفير معلومات متنوعة دون الانحياز لطرف معين. إلا أن مخاطر انتشار معلومات مغلوطة أو تبرير أفكار متطرفة تظل حاضرة بقوة. فحين يسمح للذكاء الاصطناعي بالرد على جميع التساؤلات، قد يجد البعض فرصة لبث معلومات مضللة أو محتوى يحض على الكراهية، وهذا ما تسعى أوبن إيه آي لتجنبه من خلال الحفاظ على بعض الخطوط الحمراء الأساسية.
في ظل هذه التغييرات، يتضح أن أوبن إيه آي تمضي باتجاه إعطاء برنامج شات جي بي تي مساحة أوسع للتعبير عن وجهات نظر متباينة، مع الحرص على عدم التورط في التشجيع على العنف أو الإساءة. يبقى نجاح هذه السياسة مرهوناً بمدى قدرة الشركة على إدارة المحتوى وضمان التوازن بين حرية النقاش والمسؤولية الأخلاقية. ومع استمرار السجال حول دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل الرأي العام، سيبقى العالم الرقمي مراقباً لتجربة أوبن إيه آي ومدى قدرتها على صياغة نموذج يعكس «الحرية الفكرية» دون أن يتحول إلى فوضى معلوماتية.