في مواجهة تقدّم ديب سيك منخفض الكلفة، تؤكّد مايكروسوفت وميتا أنّ الإنفاق الضخم هو الطريق الوحيد لتأمين الصدارة في مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي
تعيش الساحة التقنية على وقع تنافس محتدم بين الشركات الكبرى في العالم الرقمي، خصوصًا مع بروز «ديب سيك» كشركة صينية حقّقت اختراقات مهمة في مجال الذكاء الاصطناعي بميزانية أقل وبعدد شرائح إلكترونية محدودة. وفي إطار هذا الحراك، جدّدت «مايكروسوفت» و«ميتا» تأكيدهما على التزامات ضخمة تجاه تطوير الذكاء الاصطناعي، معلنتين عزمهما على إنفاق مليارات الدولارات لزيادة قدرة بنيتهما التحتية ودفع عجلة الابتكار.
تصريحات مديري الشركتين
شدّد الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت» على أنّهم يتوقعون «زيادة هائلة في الطلب» على منتجات الذكاء الاصطناعي، مجدّدًا الإشارة إلى ما يُعرف اقتصاديًا بـ«مفارقة جيفونز» التي تقول إنّ انخفاض تكلفة الموارد يدفع إلى استهلاكها بشكل أكبر. وفي نفس السياق، أشار مؤسس ومدير «ميتا» إلى أنّ شركته تنوي جعل الذكاء الاصطناعي أكثر تخصيصًا للمستخدمين، سعيًا منها للتميّز في سوق يزداد ازدحامًا.
تفاصيل الإنفاق وأسبابه
تعتزم «مايكروسوفت» استثمار أكثر من 80 مليار دولار لبناء مراكز بيانات مخصّصة للذكاء الاصطناعي بحلول نهاية العام المالي، مع توقعات بزيادة إضافية في الأعوام اللاحقة. وتسمح هذه المراكز بمرونة في التنقّل بين تدريب النماذج وتشغيلها، إلى جانب توزيعها جغرافيًا للاستجابة السريعة لمتطلبات العملاء. وتُعدّ هذه الاستثمارات ضرورة حتمية للحفاظ على التنافسية وتوفير مستوى عالٍ من الخدمة.
أمّا «ميتا»، فقد أعلنت عن ميزانية تتراوح بين 60 و65 مليار دولار بهدف تعزيز بنيتها التحتية وتطوير خوارزميات أكثر قوة في الذكاء الاصطناعي. ويرى المراقبون أنّ هذه الخطوة تمثّل رهانًا طويل الأمد على مستقبل الشبكات الاجتماعية والتطبيقات الرقمية المتداخلة في الحياة اليومية للمستخدمين، خاصةً مع تزايد الرهان على قدرات التخصيص.
اقرأ أيضًا: هل يشكّل ذكاء «ديب سيك» الصيني خطرًا على أمن أمريكا؟
تأثير ديب سيك في السوق
يعود سبب القلق لدى المستثمرين، وخاصة أولئك المراهنين على شركات مثل «مايكروسوفت» و«ميتا»، إلى صعود «ديب سيك» الذي تمكّن من بناء نموذج متقدم بتكلفة أقل نسبيًا. ويرى البعض أنّ هذه الشركة الصينية نجحت في ابتكار طرق جديدة تقلّل من اعتمادها على الشرائح الإلكترونية المكلفة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى الاستثمارات الضخمة التي تضخّها الشركات الغربية. لكن الرؤساء التنفيذيين في «مايكروسوفت» و«ميتا» أكّدوا أنّ ظهور منافس جديد هو تطور طبيعي في سباق التقنيات، وليس بالضرورة انقلابًا جذريًا في قواعد اللعبة.
البُعد الاستراتيجي للإنفاق الضخم
بالنسبة لـ«ميتا»، يمثّل الاستثمار الهائل في مراكز البيانات ركنًا أساسيًا لضمان تفوق منصّاتها الاجتماعية في تقديم تجارب فريدة وشخصية، بما في ذلك ميزة دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات التواصل والإعلانات الموجّهة والألعاب الافتراضية. وبالنسبة لـ«مايكروسوفت»، فإنّ هذه النفقات الضخمة تُؤسّس لبناء ما وصفه الرئيس التنفيذي بـ«أسطول مرن» من المراكز، حيث يمكن تحويل هذه المنشآت إلى حاضنة لتدريب النماذج أو لمجرّد تشغيلها عالميًا.
اقرأ أيضًا: شركة ديب سيك الصينية تتفوق على شات جي بي تي في متجر تطبيقات آبل
التوجّه نحو تنوع الشراكات
في ظل الإشارات إلى احتمال تراجع اعتماد «مايكروسوفت» على «أوبن أي آي»، هناك توقّعات بأن توسّع «ميتا» أيضًا من شراكاتها للوصول إلى نماذج مختلفة ومتنوعة من خوارزميات الذكاء الاصطناعي. هذا التنويع يمنح الشركات الكبرى حماية في حال ظهور أي خلل أو ضعف في نموذج بعينه، كما يتيح لها فرصة الاستفادة من ابتكارات ناشئة قد تظهر في مناطق مختلفة من العالم.
من الواضح أنّ «مايكروسوفت» و«ميتا» تريان في الذكاء الاصطناعي استثمارًا حيويًا لمستقبل أعمالهما. فبينما يسود القلق من صعود «ديب سيك» وما قد يمثّله من تهديد للهيمنة الغربية في هذا المجال، يبدو أنّ الشركات العملاقة واثقة من قدرتها على الاستمرار في ابتكار وطرح حلول تحافظ على صدارتها. ويبقى السؤال معلّقًا حول ما إذا كانت أساليب «ديب سيك» الموفّرة للتكلفة ستدفع عمالقة التكنولوجيا إلى إعادة حساباتهم في ما يتعلّق بحجم الإنفاق وجدواه على المدى البعيد.